محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

690

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الذين أنعم عليهم من النبيّين والصدّيقين ؛ وهاهنا بيان ومبيّن وهدى وهاد ، والكتمان قد يكون للبيان وقد يكون للمبيّن ، فأمّا كتمان البيان هو حمل بعض آيات الكتاب على غير محملها ، أو كتمان النصّ الوارد فيه وإظهار غير المنصوص بصورة اللفظ أو بمعناه ؛ وأمّا كتمان المبيّن فهو ككتمان اليهود صفة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أو كتمان المبتدعين صفات المحقّين ؛ وبالجملة الهدى أولى بالحمل على الكتاب لقوله تعالى : هُدىً لِلنَّاسِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ؛ والبيّنات أولى بالحمل على الهادي المبيّن لقوله : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 281 آ ) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فالبيّنة هو المبيّن ، والبيّنات هم الهادون المهديّون المبيّنون ، وهو المعني بقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا . وكلّ من كتم حقّا في الدين بالرأي والهوى أو كتم محقّا بالتعصّب والتعنّت فهو في لعنة اللّه ولعنة اللاعنين . ومن وجه آخر : الهدى طريق مستقيم والبيّنات هي الأعلام في الطريق ، ومن كتم الطريق فقد ضلّ ، ومن ستر الأعلام فقد أضلّ ؛ وفي الحديث : « لعن اللّه من غيّر منار الأرض » 34 ومنار الأرض هي أعلام وشعائر ، ولمّا سبق ذكر الصفا والمروة أنّهما من شعائر اللّه حسن الوعيد بعده لمن كتم شعائر اللّه ؛ والبيّنات هي تلك الشعائر وتلك الشعائر هي ذلك الرجال ، ومن ظلمها فقد كتمها ، ومن كتمها فقد سترها ، ومن سترها فقد أضلّ الناس عن الطريق إلى يوم القيامة ؛ فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، وعليه لعنتها ولعن اللاعنين إلى يوم القيامة ، وإنّ اللعن إبعاد عن الرحمة ، فكما أبعد الناس عن الطريق المستقيم بكتمان البيّنات كذلك أبعد عن رحمة الرحيم بحرمان البركات . ومن وجه آخر : أنّ الذي أنزل اللّه في الكتاب من البيّنات والهدى هو التوحيد ونفي الأنداد ثمّ الشرائع والأحكام في العبادات والمعاملات ، ومن أفتى بأنّ الأنبياء - عليهم السلام - ما بعثوا بالتوحيد وإقامة البيّنة عليه ، لأنّه يؤدّي إلى أن يصير العقلي سمعيا ، فقد كتم ما أنزل اللّه من البيّنات والهدى ، واستحقّ اللعن بذلك بعدد من اعتقد اعتقاده ، وهم اللاعنون له وعليه ، إلّا الذين تابوا من مثل هذه الفتوى الباطلة ، وأصلحوا في أنفسهم ، وبيّنوا للناس أنّ تلك الفتوى كانت باطلة ؛ فأولئك تقبل توبتهم ، ويصلح شأنهم ، ويبيّن لهم طرقهم إلى الجنّة .